نعمل معًا من أجل مجتمع بلا حواجز

جمعية بياض آي التركية

«موتسارت» بيكوز: يونس، المصاب بالتوحد، وحلمه بالمعهد الموسيقي

7 فبراير 2023

«موتسارت» بيكوز: يونس، المصاب بالتوحد، وحلمه بالمعهد الموسيقي

بورجو تشاليك – من منزل من طابق واحد في حي بيكوز بإسطنبول، ترتفع أصوات بيانو بألحان لا تقلّ عن عزف أصابع بارعة. فيونس يازار (١٩ عامًا)، المصاب بالتوحد والذي يملك الأذن الموسيقية نفسها التي كانت للمؤلف العالمي موتسارت، ينتظر — على الرغم من حالته والسنوات التي قضاها في الفقر — اليومَ الذي تُفتح فيه أبواب المعهد الموسيقي له هو أيضًا، ببيانو أهداه إليه أحد المحسنين.

ويونس، أحد التوأمين في أسرة يازار التي تكافح لتأمين رزقها في منزل من طابق واحد في بيكوز، لم ينطق كلمة واحدة حتى سن الثالثة، وبدأ التواصل مع محيطه أول مرة عبر حروف صنعتها أمه من خيوط الحياكة ومن تمزيق أوراق الصحف. وحين بلغ الرابعة كان قد تعلّم القراءة والكتابة منذ زمن، على خلاف أقرانه.

وبعد فترات طويلة في المستشفيات، شُخِّص يونس في السابعة من عمره بـ«متلازمة أسبرجر»، وهي إحدى اضطرابات طيف التوحد. وتلقّى تعليمه طوال مسيرته الدراسية بوصفه طالبًا في التعليم الدامج، وظلّ فترة معتمدًا على أدوية مضادة للاكتئاب.

الموهبة الموسيقية نفسها التي كانت لموتسارت

اتخذت حياة يونس منحًى مختلفًا تمامًا حين اكتشفه معلّم الموسيقى في المرحلة الإعدادية. فقد تبيّن للمعلّم أن يونس، الذي كان كثيرون من حوله يُقصونه ناظرين إليه بوصفه «من ذوي الإعاقة الذهنية»، يملك الموهبة الموسيقية الفائقة المسمّاة «حاسّة السمع المطلقة»، وهي القدرة على تدوين أي صوت نوتةً مباشرةً دون الحاجة إلى مرجع، وهي موجودة لدى فنانين مثل موتسارت وبيتهوفن وشوبان.

وبدعم من معلّمه نجح يونس في دخول ثانوية الفنون الجميلة بمنحة كاملة وتخرّج العام الماضي، لكنه لم يتمكن من دخول امتحانات المواهب في المعاهد الموسيقية لأنه لم يجتز عتبة «١٠٠ نقطة» في امتحان الجامعة.

ويونس، الذي يتمسّك بالحياة عبر البيانو الذي أهداه إليه أحد المحسنين ويحلم باليوم الذي يلتحق فيه بالمعهد الموسيقي، يحاول في الوقت نفسه أن يساعد أمّه المصابة بشلل جزئي في ساقها والتي تصارع مرض السرطان.

«أعزف على البيانو ٧-٨ ساعات يوميًا»

حدّث يونس يازار وأسرته مراسلَ وكالة الأناضول عمّا يعيشونه في منزلهم ببيكوز.

وقال يونس، الذي لا أصدقاء له ويقضي معظم يومه في البيت: «أعزف على البيانو ٧-٨ ساعات يوميًا. تخرّجت العام الماضي من ثانوية الفنون الجميلة. أريد الذهاب إلى الجامعة. وأفضّل الدراسة في المعهد الموسيقي. وحلمي أن أكون موسيقيًا وعازف بيانو. دخلتُ امتحان الجامعة مرتين، مرة العام الماضي ومرة هذا العام. وحصلت على علامة منخفضة. ينبغي إلغاء تطبيق العتبة، وأفضّل الدخول عبر امتحان المواهب.»

وأوضح يونس أنه يستيقظ كل يوم عند الرابعة فجرًا ليعطي أمّه أدويتها ويحاول مساعدتها في أعمال المنزل، وعبّر عن حبه للبيانو بقوله: «هو بالنسبة إليّ مثل الأكل وشرب الماء.»

وأشار يونس إلى أن أصدقاءه أقصوه في المرحلة الإعدادية لكنه انسجم جدًا مع جميع أصدقائه في الثانوية، وقال: «اكتشفني معلّم الموسيقى في الإعدادية وضمّني إلى الجوقة. وقال إنني أملك (حاسّة السمع المطلقة) وأعدّني لثانوية الفنون الجميلة. وأريد أن يتمكن الشباب الموهوبون الذين في وضعي من دخول الجامعة، وأريد إلغاء العتبة في امتحان الانتقال إلى التعليم العالي.»

«كان يمزّق الصحيفة ليصنع الحروف»

أما الأم أيلين يازار (٤٧ عامًا)، وهي ربة منزل، فقالت إنها تصارع سرطان الغدة الدرقية منذ نحو ٧ سنوات وإن شللًا جزئيًا أصاب ساقها إثر حادث تعرّضت له.

وأشارت يازار إلى أن لديهم، إلى جانب التوأمين يونس وإمره، ابنًا في الثانية عشرة، ووصفت طفولة ابنها بقولها: «تأخّر يونس في الكلام، وتعلّم القراءة والكتابة بنفسه. بدأ يكتب الحروف ثم يقرأ بضمّها، لكنه لم يكن يتكلم بحال. كان منطويًا جدًا. ينزوي في ركنه ويكتب هناك باستمرار. وكان يطلب مني كل يوم أن أشتري صحيفة، فيقصّها ويكتب. كان يمزّق الصحيفة ليصنع الحروف.»

وقالت يازار إن ابنها يساعدها كثيرًا في البيت: «أنا لا أستطيع النهوض، وهو يعطيني أدويتي. ويقوم ابني بما لا أستطيع فعله. رضي الله عنه، هو يداي وقدماي.»

وذكرت يازار أنهم أخذوا يونس إلى الطبيب أولًا ظنًّا منهم أنه مريض، وأن حياتهم كلها تغيّرت بتشخيص «التوحد» الذي تلا ذلك. وقالت إن يونس كان أسعد ما يكون في ثانوية الفنون الجميلة حيث استطاع أن ينغمس في الموسيقى، وأضافت: «نريد إلغاء تطبيق العتبة في امتحان الانتقال إلى التعليم العالي، ونريد مساعدة أطفال كهؤلاء.»

«ألغوا العتبة»

وأكّد الأب سيف الدين يازار (٤٧ عامًا)، وهو موظف حكومي، أن صفحة جديدة فُتحت في حياة ابنه حين شخّص معلّم الموسيقى «حاسّة السمع المطلقة» لدى يونس في المرحلة الإعدادية.

وأشار سيف الدين يازار إلى أنهم يسعون ليتمكن يونس من دخول الجامعة، وقال: «يحاول يونس دخول الجامعة، لكن الأمر لا يتحقق بسبب حالته. فجانبه الرياضي ضعيف. ولذلك لا يستطيع تجاوز عتبة امتحان الانتقال إلى التعليم العالي. وبالتالي لا يستطيع دخول امتحان المواهب أيضًا. هذا هو الحاجز الذي نواجهه. ومطلبنا في هذا الشأن إلغاء العتبة في هذا الامتحان لأطفال من هذا النوع. وننتظر دعم مسؤولي الدولة ليُقبلوا مباشرةً عبر امتحانات المواهب.»

وأوضح يازار أن يونس يستطيع إدراك جميع أصوات الطبيعة نوتيًا، وقال: «حين تطرق على زجاج أو صحن، يستطيع يونس أن يذكر مباشرةً نوتة الصوت الصادر. هذه هي طبيعة تلك الأذن. وهي أذن موجودة أيضًا لدى أعلام الموسيقى الكلاسيكية. فموتسارت وباخ كانا أيضًا ممن يملكون حاسّة السمع المطلقة. لكن امتلاك هذه الموهبة لا يكفي. لا بدّ من تنميتها ومتابعتها. ونحن نحاول متابعتها بقدر ما نستطيع.»

«ماذا يحدث إن لم أكن موجودًا؟»

وقال يازار إنه بتشخيص التوحد لدى يونس صار يفهم أسر الأطفال ذوي الإعاقة على نحو أفضل، وأضاف:

«ثمة تعلّق. عليّ أن أبقى خلف ابني. فليست لهم حياة اجتماعية طبيعية كسائر الأطفال. لا يستطيعون الذهاب إلى مكان والعودة منه. وأنا أفكّر في هذا دائمًا. إلى متى، وكيف أستطيع، وماذا يحدث إن لم أكن موجودًا؟ لا مفرّ من أن يفكّر المرء في هذه الأمور.

وحين وُضع تشخيص (متلازمة أسبرجر)، صرت أفهم على نحو أفضل الأسرَ التي لديها طفل في وضع ابني. فهؤلاء الأطفال بحاجة إلى أن يُكتشفوا — وقد تكون لديهم مواهب أخرى مختلفة أيضًا — وإلى أن تُتابَع تلك المواهب. لأنني أؤمن بأن أشخاصًا بالغي القيمة سيتربّون. وأرى من المناسب أن تبذل الدولة جهدًا أكثر تمايزًا وخصوصية في هذا الشأن.»

«أستمتع كثيرًا بالاستماع إلى ابني»

وشدّد يازار على أنهم يعانون ضائقة مادية وأنهم لم يستطيعوا تقديم شيء «خاص» لابنهم صاحب الحالة الخاصة، وقال: «ليست لدينا أنشطة تتيح له الدخول في بيئة أكثر اجتماعية. وعليّ أن أعمل باستمرار. ولزوجتي أيضًا مشكلات صحية. ومن الناحية المادية لا نستطيع أن نكون منتجين كثيرًا من أجل ابننا.

وأوضح يازار أن عزف يونس على البيانو يُسعده كثيرًا، وقال إنه يستمتع أيّما استمتاع بالاستماع إلى ابنه. وأضاف أن حركات يونس العصبية قلّت منذ توجّهه إلى الموسيقى، وأنه بدأ يعبّر عن نفسه على نحو أفضل.