10 فبراير 2023

أن ترى عن ظهر قلب
كيف نحيي هذا اليوم الخاص. لقد بدأ يوم ١٥ تشرين الأول، الذي انطلق في أمريكا ثم انتشر، يُنظَّم في بلدنا أيضًا بوصفه «اليوم العالمي للإبصار والعصا البيضاء». وبهذه المناسبة نطرح موضوعات كثيرة في سياق البصر وكفّ البصر والمكفوفين. ومع أن مثل هذه الأيام الخاصة تبدأ بعد مدة معينة بأن تُستقبَل بشيء من النفور، فإنها يمكن أن تُعدّ أيضًا فرصة للجميل والخيّر. وهذا ما نحاول فعله. ولمَ لا نتحدث عن الحاسّة التي تُعدّ الأهم. فحاسّة البصر تُعتبر، لسبب ما، الحاسّة الأهم في العالم تقريبًا، وينشأ عن ذلك شعور وإدراك على هذا الأساس.
وإذا كان الأمر كذلك، أفلا ينبغي أن تُبحث بإسهاب صفةٌ تُعدّ أهم حاسّة في العالم؟ بلى ينبغي، ومع ذلك، وربما بسبب عقلية «لماذا نتحدث مرارًا في موضوع يتفق عليه الجميع»، نجد أن الموضوع لا يُبحث إطلاقًا، وأن ثمة للأسف كثيرًا من الأخطاء وسوء الفهم المضحكة. بل إنني، بدل أن أكتفي بمشاهدتها، أكون أنا نفسي من بين من يقعون موضوعًا لتلك الأخطاء التي تشبه الطرفة.
لماذا الحزن على كفّ البصر
في الأيام الأولى بعد أن كُفّ بصري في الحادية عشرة من عمري، كاد من حولي ينصحونني بأن أحزن لأنني صرت كفيفًا. وبعقلي الطفوليّ، وأنا لا أعلم أن «كفّ البصر سبب للحزن»، لم أفهم لماذا يجب أن أحزن. وما زلت لا أفهم إلى اليوم. لماذا؟ ماذا يفعل المبصرون في حياتهم مما يختلف عمّا يفعله المكفوفون؟ المبصرون يقرؤون والمكفوفون يقرؤون. والمبصرون والمكفوفون يستطيعون الحصول على عمل والعمل وكسب رزقهم. والمبصرون والمكفوفون يستطيعون الزواج وبناء بيت. والمبصرون والمكفوفون يستطيعون ممارسة أنشطتهم الاجتماعية. صحيح أن ليس كل مبصر ولا كل كفيف يستطيع قيادة السيارة. وليس كل مبصر ولا كل كفيف يستطيع الرسم. فلماذا إذًا أحزن؟ وثمة سؤال آخر: لو بدأتُ أُبصر الآن، فما الذي سيتغيّر في حياتي؟ صدّقوني، لا شيء على الإطلاق.
لماذا كل هذا الهوس بالبصر
أسمع بين حين وآخر عبارات مثل «لا أصدّق ما لم أرَه بعينيّ» أو «هل رأيتَه بعينك حتى تتكلم؟» قال لي زميل في المكتب: «أنا خارج. لن أعود مساءً»، ومشى نحو المشجب ليرتدي سترته. فقلت: «انتبه يا أخي ألّا ترتدي سترتي بالخطأ.» فمازحني قائلًا: «يا لقمان، أتحسب الناس جميعًا مكفوفين مثلك؟» وضحكنا معًا. وبعد قليل حان وقت خروجي، فإذا سترتي ليست في مكانها وإذا سترة زميلي هناك. فسألت الزملاء إن كان صاحبنا قد خرج بلا سترة. فقالوا إن المرء لا يذهب إلى المكان الذي قصده بلا سترة. فاتصلنا بصاحبنا وسألناه: «سترة مَن التي ترتديها؟» فنظر فإذا هي سترتي. وقد تظنّون وأنتم تقرؤون هذه السطور أن هذه حالة استثنائية. لكن حياتي مليئة بمثلها. وأسأل في محاضراتي: «هل تذكرون مشية المهتر؟» فتجيب القاعة: «نعم، خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الخلف.» فأردّ: «سيكون غريبًا بعض الشيء أن تتعلّموا الصواب من كفيف، لكن دعوني أقول لكم: إنها خطوتان إلى الأمام ووقفة واحدة.» وكل من في القاعة مبصرون، ومع ذلك يرون بشكل خاطئ، لسبب ما، مشيةً رأوها بأعينهم. ولهذا بالضبط لا أفهم هذه المبالغة في شأن البصر وربط الحياة به، رغم كل هذا الخطأ وهذه القلّة في الرؤية.
متى يُحكَم الناس بعيونهم
أظن أن أحدًا لم يعد يعتقد أننا نرتدي الثياب لحماية أجسادنا واتقاء البرد فحسب. فالغرض الحقيقي اليوم أن نجعل من أمامنا يفكّر فينا بالطريقة التي نريدها. فزيّ الشرطة يُلبس لنعلم أن ذلك الشخص شرطي ونتصرّف على هذا الأساس. وكثيرًا ما نسمع من يقول: «إن لبستُ هكذا سيحسبونني شخصًا من هذا النوع.» واللافتات والإشارات تخبر المبصر دائمًا بما ينبغي فعله. وأشكال المباني وألوانها والتماثيل واللافتات واللوحات الإعلانية وكل عناصر الدعاية تلك تُصنع لتحكم عقل الإنسان المبصر وتشكّل تفكيره. وصدّقوني، كلهم يعلمون أنهم لا يستطيعون السيطرة على عقول المكفوفين بهذه الطريقة. وكيف ينبغي أن يكون إطار العلاقة بين المكفوفين والمبصرين. إن في وجود كل كائن وكل حيّ حِكَمًا كثيرة. ومحاولة فهمها مكسبٌ مشترك لنا جميعًا. وسواء أبصر المرء أم لم يبصر، فإن سعي الجميع لمعرفة بعضهم وفهمهم واكتشافهم يُغني الجميع. فيغتني المكتشِف والمكتشَف معًا. ولنتوقف عن حديثنا بهذه الجملة، على أن نتحدث في أبعاد أخرى في وقت آخر: لا نجعل البصر أو كفّ البصر أو سائر اختلافاتنا حاجزًا بيننا.
